المولى خليل القزويني
120
الشافي في شرح الكافي
دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل ؛ لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربما كان فائقاً المعلّمَ ولو بعد حين ، ورأينا المعلّم الداعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي من يدعو ، وفي ذلك تحيّر الجاهلون ، وشكّ المرتابون ، وظنّ الظانّون . ولو كان ذلك عند اللَّه جائزاً لم يبعث اللَّه الرسل بما فيه الفصل ، ولم ينه عن الهزل ، ولم يعب الجهل ، ولكنّ الناس لمّا سفّهوا الحقّ وغمطوا « 1 » النعمة ، واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم اللَّه ، واكتفوا بذلك دون رسله والقوّام بأمره وقالوا : لا شيء إلّاما أدركته عقولنا وعرفته ألبابنا ، فولّاهم اللَّه ما تولّوا وأهملهم وخذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون . ولو كان اللَّه رضي منهم اجتهادهم وارتياءهم فيما ادّعوا من ذلك ، لم يبعث اللَّه إليهم فاصلًا لما بينهم ، ولا زاجراً عن وصفهم ، وإنّما استدللنا أنّ رضا اللَّه غير ذلك ببعثة الرسل بالأمور القيّمة الصحيحة ، والتحذير عن الأمور المشكلة المفسدة ، ثمّ جعلهم أبوابه وصراطه والأدلّاء عليه بأمور محجوبة عن الرأي والقياس ، فمن طلب ما عند اللَّه بقياس ورأي ، لم يزدد من اللَّه إلّابُعداً ، ولم نره « 2 » يبعث رسولًا قط وإن طال عمره قابلًا من الناس خلاف ما جاء به حتّى يكون متبوعاً مرّة وتابعاً أخرى ، ولم نره « 3 » أيضاً فيما جاء به استعمل رأياً ولا مقياساً حتّى يكون ذلك واضحاً عنده كالوحي من اللَّه ، وفي ذلك دليل لكلّ ذي لبّ وحجى أنّ أصحاب الرأي والمقاييس مخطئون مدحضون ، وإنّما الاختلاف فيما دون الرسل ، لا في الرسل ، فإيّاك أيّها المستمع أن تجمع عليك خصلتين : إحداهما : القذف بما جاش به صدرك واتّباعك لنفسك إلى غير قصد ولا معرفة حدّ ، « 4 » والأخرى : استغناؤك عمّا فيه حاجتك وتكذيبك لمن إليه مردّك ، وإيّاك وترك الحقّ سآمة وملالة ، وانتجاعك الباطل جهلًا وضلالة ، لأنّا لم نجد تابعاً لهواه جائزاً عمّا ذكرنا قط رشيداً فانظر في ذلك . « 5 » انتهى .
--> ( 1 ) . غمط النعمة والعافية ، أي لم يشكرهما . العين ، ج 4 ، ص 389 ( غمط ) ؛ وفي معجم مقاييس اللغة ، ج 4 ، ص 396 : « غمط النعمة : احتقرها ، وغمط الناس : احتقرهم » . ( 2 ) . في المحاسن : - / « نره » . ( 3 ) . في المحاسن : « ولم ير » . ( 4 ) . في « ج » : « جذر » وفي « أ ، د » : « حذر » والمثبت عن المحاسن . ( 5 ) . المحاسن ، ج 1 ، ص 209 ، باب المقائيس والرأي ، ح 76 ؛ وعنه في وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 50 ، ح 33182 .